فصل: 121- تمييز:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الجنائية الإسلامية المقارنة



ولما كان التكفير من الأمور الخطيرة فقد اتفق الفقهاء رحمهم الله على تعزير من رمى مسلماً بالكفر ونحوه، قال: ابن قدامة (لا أعلم في ذلك خلافاً بين أهل العلم). فمن نسب أحداً إلى الكفر، أو قذفه بوصف يتضمن معنى الكفر، كيا يهودي، ويا نصراني، ويا مجوسي عزر؛ لما رواه الترمذي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قال الرجل للرجل يا يهودي فاضربوه عشرين...». قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإبراهيم بن إسماعيل يضعف في الحديث والعمل على هذا عند أصحابنا.
وقال ابن الهمام رحمه الله: (ويعزر في قوله نحو يا كافر ويا خبيث أقل جلدات، ولكن في فتاوى قاضي خان أن أسباب التعزير إن كان من جنس ما يجب به حد القذف يبلغ أقصى التعزير، وإن كان من جنس ما لا يجب به حد القذف لا يجب أقصاه فيكون مفوضا إلى رأي الإمام).
وقال البابرتي رحمه الله: (ومن قذف عبدا أو أمة أو أم ولد أو كافرا بالزنا عزر، لأنه جناية قذف، وقد امتنع وجوب الحد لفقد الإحصان فوجب التعزير، وكذا إذا قذف مسلما بغير الزنا فقال يا فاسق أو يا كافر أو يا خبيث أو يا سارق، لأنه آذاه وألحق الشين به، ولا مدخل للقياس في الحدود فوجب التعزير).
وقال الدسوقي رحمه الله: (... كذا يؤدب في نحو يا شارب الخمر أو يا كافر أو يا يهودي).
وقال ابن قدامة رحمه الله (وكذلك لو قال: يا كافر، يا فاسق، يا سارق، يا منافق، يا فاجر، يا خبيث، يا أعور، يا أقطع، يا أعمى ابن الزمن الأعمى الأعرج. فلا حد في ذلك كله؛ لأنه قذف بما لا يوجب الحد، فلم يوجب الحد، كما لو قال يا كاذب. يا نمام. ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم. ولكنه يعزر؛ لسب الناس وأذاهم، فأشبه ما لو قذف من لا يوجب قذفه الحد).
وقال ابن مفلح رحمه الله: (ويعزر في يا كافر, يا فاجر, يا حمار, يا تيس, يا ثور، يا رافضي، يا خبيث البطن أو الفرج، يا عدو الله، يا ظالم، يا كذاب، يا خائن، يا شارب الخمر، يا مخنث، نص على ذلك).
وقال ابن حزم: (وكثير من المعاصي ليس فيها في الدنيا حد, كالغصب، ومن قال لآخر: يا كافر، وكأكل لحم الخنزير, وعقوق الوالدين, وغير ذلك).
قلت: وفي هذا الزمان تهاون بعض الناس في الحكم على غيرهم بالتكفير وأصبحوا يكفرون غيرهم لمجرد مخالفتهم، أو لمجرد نص تأولوه تأويلاً خاطئاً، فكفَّروا المسلمين، واستباحوا دماءهم، وممتلكاتهم، وترجموا ذلك إلى واقع عملي، فهذه الأعمال الإرهابية التي تحدث من بعض المنحرفين ما هي إلا نتيجة لهذا الفكر التكفيري المنحرف؛ وعلى هذا فإنه يجب على ولاة الأمر والقضاة تشديد العقوبة على هؤلاء المكفرين بما يقطع شرهم عن المسلمين، وقد ثبت عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سجن ضابئ بن الحارث حتى مات في السجن. قال ابن مفلح: (من عرف بأذى الناس وأموالهم فإن لم ينزجر حبس وأطعم من بيت المال حتى يموت وكذا من ابتدع ببدعة وحمل الناس عليها حبس حتى يكف المسلمين عن بدعته نص عليه).

.120- تلبس:

1- التعريف:
التلبس في اللغة: الاختلاط والتعلق، جاء في لسان العرب: تَلَبَّسَ بالأَمر وبالثَّوْب. ولابَسْتُ الأَمرَ: خالَطْتُه. وقال ابن فارس: اللام والباء والسين أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على مخالَطَة ومداخَلة. من ذلك لَبِسْتُ الثَّوبَ ألْبَسُه، وهو الأصل، ومنه تتفرَّع الفروع.
وفي اصطلاح الفقهاء لا يخرج التلبس عن معناه اللغوي.
وفي المصطلح الجنائي التلبس هو: الجرم الذي يحدث في حضور رجل الضبط الجنائي أو إذا حضر رجل الضبط الجنائي إلى مكان حدوثه وتكون آثاره ونتائجه مما يحمل رجل الضبط الجنائي على الاعتقاد بقرب وقوعه أو لا يزال الجاني مطاردا بصياح الناس أو يوجد الجاني بعد برهة يسيرة ومعه أسلحة أو أشياء أو عليه آثار يستدل منها على أنه فاعل الجريمة أو مساهم في فعلها.
2- حالات التلبس:
تنحصر صور التلبس في أربع حالات هي:
الحالة الأولى: مشاهدة الجريمة حال ارتكابها، وهذه أظهر حالات التلبس، وهي التي تمثل الوضع الطبيعي والأصل لحالة التلبس، ويطلق عليها البعض التلبس الحقيقي، وتعني أن الركن المادي للجريمة قد وقع تحت أنظار رجال الضبط الجنائي، ولا يشترط لذلك أن يشاهد رجل الضبط ببصره، بل يكفي أن يدرك وقوع الجريمة بإحدى حواسه الأخرى، كشم رائحة المسكر تتصاعد من فم المتهم، أو من سيارته، أو من مسكنه، أو يسمع أصوات الأعيرة النارية في جريمة القتل.
الحالة الثانية: مشاهدة الجريمة بعد ارتكابها بوقت يسير، وتتحقق مشاهدة الجريمة في هذه الحالة من خلال آثارها ومن الأدلة المترتبة عليها، والتي تفصح في حد ذاتها على أن الجريمة ارتكبت منذ وقت يسير، ويتحقق ذلك إما برؤية النتيجة المترتبة على السلوك الإجرامي، أو رؤية جسم الجريمة كرؤية المجني عليه ينزف دما، على إثر الاعتداء عليه، أو ضبط مخدر في الطريق.
الحالة الثالثة: تتبع الجاني إثر وقوع الجريمة والقبض عليه. وتتحقق هذه الحالة بتتبع الجاني وملاحظته مع صراخ الناس عقب ارتكابها بوقت قصير. فإذا ثبت أن الجريمة قد ارتكبت في اليوم السابق فلما شاهد المجني عليه الجاني تتبعه بالصياح والصراخ في الطريق العام وأبلغ رجل الضبط بالإمساك به فلا تتوفر هنا حالة التلبس.
الحالة الرابعة: مشاهدة الجاني بعد وقوع الجريمة بوقت قريب حاملا أدلة الجريمة تنصرف هذه الحالة إلى مشاهدة مرتكب الجريمة بعد وقوعها بوقت يسير حاملا أسلحة أو أمتعة أو أية أشياء يستدل منها أنه فاعل الجريمة أو مساهم فيها أو إذا وجدت به في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك.
وتشترك هذه الحالة مع الحالة الثانية ولكنها تتميز عنها في مشاهدة الجاني نفسه حاملا لأدلة الجريمة التي تفيد مساهمته في ارتكابها كرؤية الجاني يخرج مسرعا من مكان الحادث وبيده مسدس مما يفيد التلبس فعلا بالقتل أو الشروع فيه أو إذا وجدت به آثار أو علامات تفيد ذلك.
3- شروط صحة التلبس:
يشترط لصحة التلبس شرطان أساسيان هما:
1- أن تتم مشاهدة التلبس من قبل رجل الضبط الجنائي.
فيجب أن يكون رجل الضبط قد شاهد الجريمة بنفسه وهي في حالة من حالات التلبس التي ذكرناها وذلك إما بمشاهدة الركن المادي للجريمة وقت مباشرته أو رؤية ما يكشف عن وقوعها منذ زمن يسير وذلك حرصا على حماية الحريات الشخصية للأفراد وحفظا لحقوقهم.
2- أن تتم مشاهدة التلبس بطريقة مشروعة.
لا يكفي لترتب الآثار النوعية على التلبس مجرد توافر إحدى الحالات السابق ذكرها وإنما يتعين أن يتم ذلك وفقا لأعمال مطابقة للشرع والنظام.
فلا يقوم التلبس نظاما إذا كشفت عنه إجراءات غير صحيحة، كاقتحام أبواب المساكن، أو النظر من خلال ثقوب أبوابها، لأن الله سبحانه قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور 2] وقال تعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا} [الحجرات آية 12] وكذلك لا يقوم التلبس إذا كان وليد غش أو خداع أو إكراه، كتحريض المتهمين، على فعل شيء يتولد عنه جريمة، أو استدراجهم لذلك.
4- حالات التلبس وسلطة رجل الضبط فيها الواردة في نظام الإجراءات الجزائية:
بين نظام الإجراءات الجزائية في المواد (30 إلى 32) حالات التلبس وسلطة رجال الضبط في حالة التلبس وذلك في على النحو التالي:
أ- الجريمة المتلبس بها:
1- تكون الجريمة متلبساً بها حال ارتكابها أو عقب ارتكابها بوقت قريب.
2- وتعد الجريمة متلبساً بها إذا تبع المجني عليه شخصاً، أو تبعته العامة مع الصياح اثر وقوعها، أو إذا وجد مرتكبها بعد وقوعها بوقت قريب حاملاً آلات، أو أسلحة، أو أمتعة، أو أدوات، أو أشياء أخرى يستدل منها على أنه فاعل أو شريك فيها، أو إذا وجدت به في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك. (م/30).
ب- واجبات رجال الضبط في حالة التلبس:
1- يجب على رجل الضبط الجنائي في حالة التلبس بالجريمة أن ينتقل فوراً إلى مكان وقوعها ويعاين آثارها المادية ويحافظ عليها. (م/3).
2- يثبت حالة الأماكن والأشخاص، وكل ما يفيد في كشف الحقيقة، وإن يسمع أقوال من كان حاضراً، أو من يمكن الحصول منه على معلومات في شأن الواقعة ومرتكبها. ويجب عليه أن يبلغ هيئة التحقيق والادعاء العام فوراً بانتقاله. (م/31).
3- منع الحاضرين من مبارحة محل الواقعة أو الابتعاد عنه، حتى يتم تحرير المحضر اللازم بذلك. (م/32).
4- وله أن يستدعي في الحال من يمكن الحصول منه على معلومات في شأن الواقعة. (م/32).
5- إذا خالف أحد الحاضرين الأمر الصادر إليه من رجل الضبط الجنائي أو امتنع أحد ممن دعاهم عن الحضور، يثبت ذلك في المحضر، ويحال المخالف إلى المحكمة المختصة لتقرير ما تراه بشأنه.. (م/32).
ج- سلطة رجل الضبط الجنائي في حالة التلبس:
1- لرجل الضبط الجنائي في حال التلبس بالجريمة القبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه، على أن يحرر محضراً بذلك، وإن يبادر بإبلاغ هيئة التحقيق والادعاء العام فوراً.
2- وفي جميع الأحوال لا يجوز إبقاء المقبوض عليه موقوفاً لأكثر من أربع وعشرين ساعة إلا بأمر كتابي من المحقق.
3- إذا لم يكن المتهم حاضراً فيجب على رجل الضبط الجنائي أن يصدر أمراً بضبطه وإحضاره، وإن يبين ذلك في المحضر. (م/33).

.121- تمييز:

1- التعريف:
التمييز في اللغة من ميَّز، ومعناه العزل والفرز، قال الجوهري: مِزْتُ الشيء أَمِيزُهُ مَيْزًا، عزلته وفَرزته، وكذلك مَيَّزتُهُ تَمْييزًا؛ فانْمَازَ، وامْتَازَ، وتَمَيَّزَ، واسْتَمازَ، كلُّه بمعنى.
وعرفه الراغب الأصفهاني: بأنه الفصل بين المتشابهات، ثم قال: والتمييز يقال تارة للفصل، وتارة للقوة التي في الدماغ، وبها تستنبط المعاني، ومنه يقال: فلان لا تمييز له.
والمراد بالتمييز هنا: هو تدقيق الأحكام القضائية الصادرة من المحاكم المختصة، ومراجعتها وتدقيقها من قبل محاكم الأعلى.
2- تمييز الأحكام في الفقه الإسلامي:
قال ابن فرحون عن تدقيق الأحكام: (ونظره في أحكام غيره يختلف, فأما العالم العدل فلا يتعرض لأحكامه بوجه إلا على وجه التجويز لها إن عرض فيها عارض بوجه خصومة فأما على وجه الكشف لها والتعقب فلا, وإن سأله الخصم ذلك إلا أن يظهر له خطأ, وهذا فيما جهل حاله من أحكامه هل وافق الحق أو خالفه؟ فهذا الوجه هو الذي نفى عنه الكشف والتعقب, فإن ظهر له خطأ بين لم يختلف فيه وثبت ذلك عنده فيرده ويفسخه عن المحكوم به عليه, وقد يذكر القاضي في حكمه الوجه الذي بنى عليه حكمه، فيوجد مخالفا لنص أو إجماع فيوجب فسخه, وكذلك إذا قامت بينة على أنها علمت قصده إلى الحكم بغير ما وقع, وإن هذا الحكم وقع منه سهوا أو غلطا فينقضه من بعده كما ينقضه هو. وأما القاضي العدل الجاهل فإن أقضيته تكشف فما كان منها صوابا أمضي وما كان منها خطأ بينا لم يختلف في رده؛ قال اللخمي: وأرى أن يرد من أحكامه ما كان مختلفا فيه;لأن ذلك كان منه حدسا وتخمينا, والقضاء بمثل ذلك كله باطل).
3- محكمة التمييز: (انظر: مادة قضاء).
4- من له حق طلب التمييز:
نصت المادة (193) من نظام الإجراءات الجزائية على أنه يحق لأي من أطراف القضية سواء كان المتهم أوالمدعي العام أوالمدعي الخاص طلب تمييز الحكم، هذا فيما يتعلق بالقضايا الجنائية؛ أما القضايا الحقوقية فقد نصت المادة (174) من نظام المرافعات الشرعية أنه لايجوز الاعتراض على الحكم إلا من المحكوم عليه.